قصة الرعب المنتظرة .. وادي العفاريت

  وادي العفــــاريـــت


تنبيه :أحداث الرواية وقائع تاريخية حقيقية ، وجميع شخصياتها الرئيسية حقيقيون ، ما عدا الشخصيات البشرية ، لذا ننصح بالتالي : و لا ترفع صوتك عند قراءة الأسماء المذكورة في الرواية ، فربما يحضرون . و لا تقرأ الرواية إلا في غرفة مضيئة أو في مكان عام وحصن نفسك بالمعوذات في كل مرة تبدأ فيها قراءة الرواية


ترجل العم شقص من سيارته ونظر حوله ، ثم همهم في نفسه : « هذا مكان جيد ، سأقضي الليلة هنا » . شرع بعدها العم شقص في تنزيل أغراضه من السيارة ، وتجهيز المكان وإشعال الحطب قبل مغيب الشمس . بعد الغروب وبعد أن أدي العم شقص فريضة المغرب ، جلس قرب ناره ووضع إبريق الشاي عليها ، ثم ترك لخياله العنان وبدأ عقله يسترجع الذكريات . العم شقص بلغ الستين من عمره الثلاثاء الماضي ، وقد أخبره أحد زملائه بأن بقية زملاء عمله قد أعدوا له حفلة تكريمية لوداعه الأسبوع القادم . استطالت شفتا العم شقص تعبيرا عن ابتسامة عندما تذكر أن زملاءه في العمل هم من سموه العم شقص ، بسبب الشبه الكبير بينه وبين العم شقاص ، الممثل المكاوي في فوازيره الرمضانية ( العم مشقاص ) . تقلصت الشفتان وعادتا إلى حالتهما الساكنة ، ثم انطلقت آهات تبعتها تنهيدة عميقة خرجت من الرجل ، فلقد عصفت الحياة به كما تعصف الريح بورقة الشجر . کم يحمد ربه أين ولديه التوأمين مازاث ومؤيد على عتبات التخرج من الجامعة ، وابنته سوسن قد تزوجت قبل عدة أشهر . 

أما زوجته أم مازن فقد فعل فيها الزمن أفعاله ، فصارت بردا وسلاما بعد أن كانت نارا وعذابا على العم شقص . سجد العم شقص لا شعوريا شكرا لله ، عندما مرت تلك الخاطرة بباله ، واسترجع ذكريات أخرى كأن حياته استعرضت أمام عينيه ، بوصفها فيلما يستحق جائزة أوسكار أحسن ممثل وأحسن سيناريو . 

إذ إن من يشاهد مشاهد الفيلم تختلط عليه المشاعر ، فتارة يرى كيف عاش العم شقص أيام الفقر في أسوأ صوره ، خصوصا عندما تمر عليه الأيام وهو يبحث عن طعام لزوجته وأولاده .

 ويشاهد المشاهد أيضا كيف عاش العم شقص في الغني المتوسط ، وكيف أنه الآن في أفضل حالاته . « الحمد لله » .. هكذا قال العم شقص بصوت عال وهو يعلم أنه المخلوق العاقل الوحيد في هذا الوادي بين جبال مكة . وبينما العم شقص سارح في خياله وذكرياته ، إذ سمع صوتا من ناحية تلك الشجرة التي رآها قبل غروب الشمس ، ولكن بعد أن حل الظلام لم يستطع أن يراها ، لأن ضوء النار لم يكن ليساعده على الرؤية إلا في مساحة دائرية قطرها خمسة أمتار فقط .

 

حاولت عينا العم شقص التركيز أكثر على تلك الحركة الغريبة من ذلك الاتجاه ، ولكن لم تستطيعا رؤية شيء . صرخ العم شقص : « هل هناك أحد ؟ » ، ولكنه لم يسمع ردا من تلك الجهة .


 وبعدها بثانية وعلى رغم السواد الطاغي ، استطاع أن يرى في الظلام هالة حمراء داكنة تحيط بجسد رجل ضخم ، فتوهم العم شقص أن تلك الهالة مصدرها انعكاس النار على ذلك الجسد الضخم بطريقة فيزيائية لا يعلمها . 

بدأ الخوف يشق طريقه إلى العم شقص عندما راح الجسد الضخم يتحرك نحوه ، حتى اقترب وصار في مجال إضاءة ضوء النار ، فبدأت ملامحه تتبين للعم شقص .

 رأى رجلا ضخما جدا جدا ، وربما بطول الشجرة التي رآها قبل غروب الشمس . 


كان يلبس ثوبا أصفر متسخا كأنما غسل بالقاذورات ، ويتلثم بشماغ أحمر لا يظهر منه إلا عيناه ، اللتان استطاع العم شقص أن يرى احمرارهما كأنهما جمرتين وضعتا في رأس ، وأما البؤبؤان فقد كانا أسودين ببريق عجيب لم ير مثله قط ، ولون البشرة كان قمحيا داكنا يميل إلى السواد . 


عجز العم شقص عن نطق « باسم الله » من هول المنظر وشدة خوفه ، وقد شعر والرجل يمشي إليه أن رأسه ثابت وجسده يتحرك منفصلا عنه ولكنه متصل به بطريقة ما . 

اقترب الرجل أكثر حتى أصبح عند حافة السجادة ، فقال له العم شقص : « السلام عليكم » ، ولكنه لم يسمع منه إلا تمتمة غريبة ، فزاد خوفه باعا ، وزاد على الباعين باعا آخر عندما سمع صوت الرجل وهو يسأله كأنه صوت رعد أصاب أذنيه : « هل يمكن أن أجلس ؟ » .


 فرد العم شقص : « تفضل » ولك الرجل جلس على السجادة قبل أن ينطق العم شقص بكلمته . 

وحصل العم شقص على جرعة أعلى من الخوف عندما جلس الرجل وأراد التربع ، فانكشف جزء من ساقه التي كانت ساق حمار ، وحذاؤه الذي كان من الجلد لكن على شكل حافر .

 أيقن العم شقص بهلاكه ، ولكن حكمته وخبرته أعانتاه على تمالك نفسه ومحاولة الخروج من هذه المصيبة بأقل الأضرار . قدم العم شقص الشاي للرجل الغريب المخيف


وقال له : « تفضل » ، فتناول الرجل كأس الشاي ووضعه أمامه ولم يشرب منه شيئا . 


أراد العم شقص أن يكسر حاجز الصمت بينهما ، فسأله : « ما اسمك ؟ » ، فأجابه الرجل : « صنديد » ، فحاول العم شقص أن يمازحه فأتبع إجابته بقوله : « صنديد ماذا؟ » . 

نظر صنديد مباشرة إلى العم شقص ، فشعر بأنه قد بال على نفسه ، خصوصا عندما سمع الإجابة منه : « أنا من قبيلة الدناهشة » . 

لا يعلم العم شقص عن قبيلة بهذا الاسم على جزيرة العرب ولا على سطح الأرض كلها . 

خيم الصمت مرة أخرى على الرجلين ، وكان العم شقص يسترق النظر إلى الرجل بشكل متكرر ، حتى سمعه يقول : « وماذا أيضا ؟ » .

 هنا قرر العم شقص اللعب على المكشوف كما يقولون ، فسأله : أنت وماذا تريد ؟ » . فهم صنديد مقصد العم شقص ، فقال له بصوته الرعدي : « كما أخبرتك ، أنا صنديد ، خادم سهسهوبي ، بل إني من أفضل خدمه كما يقول » .

 شعر العم شقص بالفخر في عيني صنديد الجمرتين ، واستمر ينصت له وهو يقول : « أحضر له رجلا من البشر كل سنتين لخدمته ، وقد ناسبتني يا شقص ، فجسدك قوي على رغم كبر سنك ، وتمتلك رجاحة عقل وفطنة . وقد أخبرني قرينك كل شيء عنك وعن حياتك ، حتى ما يتعلق بأم مازن ، من أذيتها لك وصبرك عليها . 


وأخبرني عن حبك للخلوة ، لكن يبدو أن حظك السيئ قد أحضرك إلى ( وادي العفاريت ) ، إن كنت لا تعلم » . أجابه العم شقص : « بلى ، أعلم أنه وادي العفاريت ، لكن لم أكن أؤمن به » . 

ضحك صنديد ضحكة شعر العم شقص أن الجبال اهتزت بها ، ثم قال صنديد : « وهل تصدق الآن ؟ » . 

صمت العم شقص ولم يجب عن السؤال ، فقد كان عقله يحلل الموقف ويحاول أن يجد لنفسه مخرجا ، ولكن صنديدا تنبه لصمته فقال له : « لا مفر یا شقص » . 

ظل العم شقص صامتا يفكر ، فقاطع صنديد صمته مرة أخرى بقوله : اسمع يا شقص ، حياتك كئيبة ومأساوية ، والأفضل لك أن تكون خادما لسهسهوبي . 

على العموم ، وحتى أكون عادلا معك كل شخص أخطفه لخدمة سهسهوبي ، فإن لك أمنية واحدة تطلبها ، على ألا يطول ما تريده لأكثر من ثلاثة أيام ، فماذا تطلب ؟ » . فگر العم شقص قليلا ثم سأل صنديدا : 

« وماذا يطلب عادة من تخطفهم ؟ » ،

 أجاب صنديد : « حسنا ، معظمهم كان يطلب الانتقام من أشخاص آذوه ، وبعضهم يطلب المتعة غير المحدودة ، والبعض يطلب رؤية أشخاص افتقدهم أو فقدهم من سنين طويلة » . 

هنا سأل العم شقص سؤالا جعل صنديدا يطرق للحظات قبل أن يجيب : « حسنا ، وما أغرب ما طلب إليك ؟ » ، أجابه صنديد وعيناه تنظران إلى الأرض لهنيهة ثم إلى عيني العم شقص مرة أخرى :

 « أظن أن أغرب ما طلب إلي كان لابن شيخ من شيوخ القبائل المعروفة لديكم ، فهذا الشاب بعد أن أجرى فحص اختبار الحمض النووي المعروف عندكم ب DNA اكتشف أنه لا ينتمي إلى قبيلته ، إذ كانت أصوله هندية . 

وعندما أتى إلى هذا الوادي قبل عامين وظهرت له ، طلب إلي أن أعرفه أباه .

 فاستدعيت قرين أبيه وأمه ، وكلاهما أخبرني أنه ابنهما . فطفقت أبحث له عبر قرائن أجداده وجداته ، حتى علم أن جده الثامن كان قد أتي من الهند ، وبشجاعته في إحدى حروب القبيلة ضد جارة لها ، كافأه شيخها بتزويجه ابنته ، ثم صار هو شيخ القبيلة ومن بعده ذريته . 

هذا كان أغرب ما طلب إلي على الإطلاق » على رغم أن العم شقص كان يتظاهر باستماعه للقصة وتفاعله مع صنديد ، فإنه كان ما زال يفكر في مخرج من ورطته تلك ، حتى خطرت له فكرة ، فقال لصنديد : 

« جميل هل يمكنني أن أطلب طلبي الآن ؟ » ، أجاب صنديد على الفور : « افعل » . 

قال العم شقص : « ولكن قبل أن أطلب ، كم مضى من عمرك يا صنديد ؟ » ، فأجابه « ثلاث سنوات وأتم الألفية الثانية » .

 دهش العم شقص من إجابته ، فقال فاغرا فاه : « ألفي عام ؟! » .

 علق صنديد على دهشة العم شقص بسؤاله : « وما دخل عمري في طلبك ؟ » ، فقال العم قص : « طلبي أن أعيش أسعد وأفضل ثلاثة أيام ، في كل قرن من حياتك » .


 دهش صنديد من دهاء العم شقص ، وقال له وجسده الضخم يتراجع إلى الخلف : « كم أنت ماكر يا شقص ! طلبت إلى أن أحدثك عن أغرب ما رأيت ، ثم تطلب إلى أن أعطيك مهلة ستين يوما ؟! لن أفعل ! » ، وبدأ الخوف يظهر في عينيه ، وشعر العم شقص أن العينين الجمرتين قد بدأتا في الذبول ، ثم سمع صوت صنديد ينخفض وتقل حدته وهو يقول : « سيغضب علي سهسهوبي ! لا ، لن أفعل ! » .

 أطرق صنديد رأسه لدقائق شعر العم شقص أنها ساعات ، فصنديد مجبر على تنفيذ طلب العم شقص ، ولكن سيده لن يرضى عنه


رفع صنديد رأسه ، وبدا للعم شقص أنه في وضعية التفاوض ، فقال له صنديد : « اسمع يا شقص ، طلبك صعب ، بل مستحيل ، ولكن دعنا نتفق ، سأجعلك تعيش أسعد وأجمل عشرة أيام في حياتي دون ترتيب ، بالإضافة إلى طلب آخر ، ما قولك ؟ » . 

فگرالعم شقص في قول صنديد ، ثم أجابه : « إن الحياة مغامرة ، فلا بأس أن أعيش أكثرها إثارة في آخر أيامي . لك طلبي الآخر سيكون أن يعرف البشر بقصتي هذه وتفاصيلها . 

ما قولك الآن ؟ ، فأجاب صنديد على الفور : « يبدو أتي بيننا وفاقا . اتفقنا إذا » .

 سأله العم شقص : « وكيف ستخبر الناس عن رحلتي معك وتفاصيلها ؟ » ، فقال له صنديد وهو يهز رأسه :

 « لا تقلق ، فنحن الجن نستطيع أن نفعل الخوارق » .


 وضع الاتفاق في حيز التنفيذ في لحظتها ، فبدأ صنديد بقوله : « حسنا ، دعني أخبرك عن القواعد التي يجب أن تسير عليها وألا تخالفها ، وإلا ستصبح كل الطلبات ملغاة .

 أولا ، عندما نسافر عبر الزمن ، وفي كل يوم من الأيام العشرة ، ستكون فردا عاديا من أفراد تلك الفترة الزمنية التي سنسافر إليها ، ترتدي ملابسهم وتتكلم لغتهم ، بل وسيصير اسمك کاسم أي منهم ، ولكن يجب عليك ألا تخبرهم من أنت ومن أين أنت ، ولا ما مستقبلهم ». 


هز العم شقص رأسه بالإيجاب ، فانتقل صنديد إلى النقطة التالية : « يجب عليك ألا تحاول الهروب ، وإن فعلت فاعلم أنك ميت ، أمفهوم ؟ » .


 هز العم شقص رأسه مرة أخرى بالإيجاب ، فأردف صنديد بقوله : « وأولا وأخيرا ، يجب عليك أن تتبع تعليماتي في كل لحظة . اتفقنا ؟ » ، فرد العم شقص : « اتفقنا » . 


نهض صنديد وطلب إلى العم شقص النهوض بإشارة من يده ، ثم نظر إلى النار فازداد لهيبها وعلوها حتى قاربت الخمسة أمتار ، ثم قال للعم شقص :

 « سأقفز ، ويجب عليك أن تلحق بي على الفور .

 إن لم تفعل ، ستحرقك النار » ، ثم قفز في النار . 

تردد العم شقص للحظات ، ثم قفز خلفه


وجد العم شقص نفسه - فجأة- تحت شجرة خالية من الأوراق ، ثم بدأ بتأمل نفسه ، فوجد أن ثيابه رثة بالية ومرقعة ، أما جسده فكان نحيلا ، كأثر وزنه خمسون بل أربعون كيلوجراما ، ولكن الأعجب من هذا أنه يشعر بجوع شديد لم يشعر به من قبل . 


نظر العم شقص حوله ، فوجد نفسه في مكان ليس ببعيد عن قرية ما ، والرمال والحصى والحجارة تحيط به من كل جانب ، ما عدا جهة القرية التي كانت بيوتها من طين ولبن .

 شعر العم شقص بحركة فوقه ، مما جعله يحاول النهوض ، ولكنه وجد صعوبة في ذلك ، فالجوع قد أدى واجبه في جسد العم شقص النحيل هذا . 

بعد أن نهض وأتم الوقوف ، نظر خلف الشجرة فوجد صنديدا ينظر إليه ، فسأله العم شقص : 

« أين أنا ؟ وأي عام هذا ؟ » ، أجابه صنديد : 


« أنت في تهامة ، وهذه سنة الجوع التي أصابت الجزيرة العربية وبعدها ستحل على الشام وفلسطين » .


 سأل العم شقص مرة أخرى : 

« وما هذا الجوع الشديد الذي لم أشعر به من قبل ؟! » ، رد صنديد : 

« أنت لم تذق الطعام منذ ثلاثة أيام » ثم فجأة ، نظر صنديد إلى الأفق ، فوجد رجلين من القرية قادمين نحوهما ، فقال للعم شقص : « هذان صديقاك ، الأول إبراهيم والآخر منصور ، أما أنت فاسمك طارق » .


 نظر العم شقص نحو الرجلين وقد أقبلا عليه وهما يلهثان من المشي السريع ، وعندما وصلا قال أحدهما :

 « أخبار جيدة يا طارق قد سمعتها الآن ، ثمة قافلة من الصومال متجهة إلى الحجاز ، محملة بالطعام والمؤن » ،

 فأتبع منصور : « هيا بنا يا طارق ، ولتكن وجهتنا إلى الحجاز » . 


تعجب العم شقص من تجاهل الرجلين لصنديد الواقف بجانبه ، فنظر إليه ، ولكنه لم يترك مجالا لتعجب العم شقص ، فقال له : 

« أنت الوحيد الذي يستطيع رؤيتي ، ولذلك لم يسألاك عني . تابع يومك » . 


حينها قال العم شقص للرجلين:« حسنا يا رفاق دعونا ننطلق»

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصه نداء الأسياد قصص رعب

الجزء الثاني من قصة العقد مع الشيطان

قصه الرعب المنتظرة .. المشعوذه